دور عثمان في الأغتيالات والنفي
عبد
الله بن مسعود وعثمان
عبد الله بن مسعود من المسلمين الاوائل وهو أول
من قرأ القران في وجوه كفار قريش, وللرسول محمد(ص) احاديث كثيرة مسندة في مدح بن
مسعود’ منها :
أخرج الترمذي من طريق عبد الله في حديث قال: قال
رسول الله يوصي المسلمين خيرا بعد الله بن مسعود : (تمسكوا بعهد ابن أم عبد.)( سنن
الترمذي)
وقال
كذلك: (تمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه) ( مسند أحمد بن حنبل)
وقال : (رضيت لأمتي ما رضي الله لها وابن أم عبد،
وسخطت لأمتي ما سخط الله لها وابن أم عبد.) ( ابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود فقد
أخرج الشيخان والترمذي عن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وما نرى ابن مسعود
إلا أنه رجل من أهل بيت النبي لما نرى من
دخوله و دخول أمه على النبي )
(مجمع الزوائد للهيثمي ج 9ص290، المستدرك
للحاكم ج3 ص 317 , كنز العمال للمتقي
الهندي ج6 ص 181 )
ماهي
جريمة ابن مسعود في عهد عثمان ؟ روى العلامة الاميني في غديره عن البلاذري في كتابه أنساب الاشراف ج 5 ص 36 قال: ( إن عبد الله بن مسعود حين ألقى مفاتيح
بيت المال إلى الوليد بن عقبة في الكوفة قال: من غيَّر غيَّر الله ما به. ومن بَدل
أسخط الله عليه، وما أرى صاحبكم إلا وقد غير وبدل.) ( يقصد بصاحبكم عثمان بن
عفان).
هذه هي الجريمة الاولى بنظر الخليفة الثالث
عثمان, فقد كان عبد الله بن مسعود على بيت المال في الكوفة ورأى أعمال والي عثمان
على الكوفة الوليد بن عقبة وصرفه لاموال المسلمين فألقى مفاتيح بيت المال واستقال
من منصبه احتجاجا على سياسة عثمان. أما جريمته الثانية فهو أمتناعه عن أعطاء مصحفه
( نسخة من القران الكريم) الى عثمان , وسبب ذلك أن عثمان أمر كُتابه بأن يكتبوا
القرآن ثم أمر عثمان بجمع النسخ التي تخالف القرآن الذي جمعه فأتلفها وأحرقها
وأبقى نسخة المصحف الذي كتبه كُتابه وأمر أن يكون ذلك هو القرآن , فلما سمع عبد
الله بن مسعود بذلك أمتنع عن تسليم نسخة قرآنه لعثمان وكان ذلك سبب غضب عثمان عليه
( بتصرف عن تاريخ اليعقوبي ج1 ص 173). ثم أن عثمان أمر عبد الله بن مسعود أن يأتيه
الى المدينة , فشد ابن مسعود رحاله وسافر الى المدينة وفي طريق سفره يرى عبدالله بن مسعود الصحابي
الاخر أباذر الغفاري وهو يلفظ انفاسه الاخيرة في حر الصحراء حيث كان قد نفاه عثمان
خارج المدينة , فيقوم عبدالله بن مسعود بواجبه الانساني فيدفن اباذر المظلوم ,
وحين يدخل المدينة يعيره عثمان وينبزه بالقاب بذيئة ,لنقرأ الرواية كما ذكرها
العلامة الاميني نقلاً عن الواقدي :
(إن ابن مسعود لما استقدم المدينة دخلها ليلة
جمعة فلما علم عثمان بدخوله قال: يا أيها الناس إنه قد طرقكم الليلة دويبة، من
يمشي على طعامه يقئ ويسلح، فقال ابن مسعود: لست كذلك ولكنني صاحب رسول الله يوم
بدر، و صاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين. قال: وصاحت
عائشة أرملة الرسول محمد : يا عثمان! أتقول هذا لصاحب رسول الله؟ فقال عثمان:
اسكتي. ثم قال لعبد الله ابن زمعة: أخرجه إخراجا عنيفا، فأخذه ابن زمعة فاحتمله
حتى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني
ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.)( أنتهى).
معنى قول عثمان ( يقئ ويسلح ) أنه
يتغوط ويتبرز, و سيأتينا ذكر بن زمعة في
فصل (اعداء النبي) .
وفي
رواية البلاذري ( وقام علي بأمر ابن مسعود حتى أتى به منزله، فأقام ابن مسعود
بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي، وأراد حين برئ
الغزو فمنعه من ذلك وقال له مروان: إن ابن مسعود أفسد عليك العراق، أفتريد أن يفسد
عليك الشام؟ فلم يبرح المدينة حتى توفي قبل مقتل عثمان بسنتين، وكان مقيما
بالمدينة ثلاث سنين.) . تأمل أن عثمان بعمله ذلك يأمر ابن مسعود بالاقامة الجبرية
في المدينة وتحت عيون جواسيسه وفوق ذلك يقطع عنه عطاءه وهو المرتب الذي يعيش منه
وسنرى ذلك فيما يلي:
روى
اليعقوبي: (واعتل ابن مسعود، فأتاه عثمان يعوده، فقال له: ما كلام بلغني عنك؟ قال: ذكرت
الذي فعلته بي، أنك أمرت بي فوطئ جوفي، فلم أعقل صلاة الظهر، ولا العصر، ومنعتني
عطائي. قال: فإني أقيدك من نفسي فافعل بي مثل الذي فعل بك! قال: ما كنت بالذي أفتح
القصاص على الخلفاء. قال: فهذا عطاؤك، فخذه. قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه،
وتعطينيه وأنا غني عنه؟ لا حاجة لي به، فانصرف. فأقام ابن مسعود مغاضباً لعثمان
حتى توفي، وصلى عليه عمار بن ياسر، وكان عثمان غائباً فستر أمره. فلما انصرف رأى
عثمان القبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: قبر عبد الله بن مسعود. قال: فكيف دفن قبل
أن أعلم؟ فقالوا: ولى أمره عمار بن ياسر، وذكر أنه أوصى ألا يخبر به، ولم يلبث إلا
يسيرا حتى مات المقداد، فصلى عليه عمار، وكان أوصى إليه، ولم يؤذن عثمان به، فاشتد
غضب عثمان على عمار، وقال: ويلي على ابن السوداء! أما لقد كنت به عليماً)( تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 177)
ويروي شارح النهج : (ولمّا زار عثمان عبدالله بن مسعود قبل موته من كسر ضلعه: قال
له استغفر لي. قال عبدالله بن مسعود: أسأل الله أن يأخذ لي حقي منك) ( شرح النهج
لابن أبي الحديد ج3 ص 40), وبرواية ابن سعد:
(أن عبد الله بن مسعود أوصى إلى الزبير وقد كان عثمان حرمه عطاءه سنتين)
( الطبقات لابن سعد ج3 ص161) . فبأي يحق يحرم عثمان الناس من عطائهم ورواتبهم؟ إن
عمل عثمان في ابن مسعود كان خيانة للنبي (ص) الذي أوصى بعبد الله بن مسعود خيراً !
ماذا سيقول أصحاب العمائم المدافعون عن
عثمان وعن سلوكه هذا؟ وذكر ابن شبة كذلك :
(دخل عثمان على عبد الله يعوده وقال:هذا عطاؤك فخذه. قال:
لا حاجة لي فيه، منعتني إذ كان ينفعني - وكان حرمه عطاءه عامين) ( تاريخ المدينة
لابن شبة ج3 ص 1051). أن عثمان يندم على فعلته بالصحابي عبد الله بن مسعود ويقر
بأنه منع عطاءه لمدة عامين وهذا برهان على أنه منع عطاء الرجل ورزقه وحقه كمواطن ,
أما أن يأتي بوجه آخر طالبا صفح عبد الله بن مسعود وهو على فراش الموت فأن
ذلك يذكرنا بما يفعله الطغاة ورجال العصابات عندما يظهرون
رحمتهم لأعداءهم الموتى فينالوا ثناء الناس بذلك . روى البيهقي عن شجاع بن عطية
فقال (أن عثمان بن عفان ، عاد ابن مسعود في مرضه ،
فقال : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ، قال : فما تشتهي ؟ قال :
رحمة ربي ، قال : ألا ندعو لك الطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني ، قال : ألا
آمر لك بعطائك ؟ قال : منعتنيه قبل اليوم
فلا حاجة لي فيه ، قال : تدعه لأهلك وعيالك ، قال : إني
قد علمتهم شيئا إذا قالوه لم يفتقروا ، سمعت رسول الله يقول : من قرأ الواقعة كل ليلة لم يفتقر .)( شعب
الايمان للبيهقي ج6 ص13)
إن
وفاة عبد الله بن مسعود لم تكن وفاة طبيعية, فقد مات بعد أن كُسرت أضلاعه بالضرب ,
فعثمان لم يستطع ابقاء عبد الله بن مسعود حياً وهو الذي فضحه بين الناس وعيره
بفراره من المعارك حيث قال له كما تقدم:( لكنني صاحب رسول الله يوم بدر وصاحبه يوم
بيعة الرضوان وصاحبه يوم الخندق وصاحبه يوم حنين) , هذه الوقائع تخلف عثمان عنها
بحجج ولم يحضرها وحضر يوم معركة أحد ثم يفر من المعركة لمدة ثلاثة أيام كما مر ذكره.
فكان جزاء عبد الله بن مسعود من عثمان القتل. لقد روى عبد الله بن مسعود كذلك
أحاديثا تذم عثمان وتبين صفته منها قوله أنه سمع من النبي (ص) ان عثمانا من أهل
النار وأنه لايعدل عند الله جناح بعوضة وأنه (عبد الله بن مسعود) لو أستطاع لقضى
على عثمان حيث يقول : (لوددت أني وعثمان برمل عالج، فنتحاشى التراب حتى يموت الأعجز)
( النص عن تقريب المعارف للحلبي ص 276).
عمار
بن ياسر وعثمان
البطل الاخر في عهد عثمان الظالم هو عمار بن
ياسر ابن سمية أول شهيدة في هذا الدين
وابن ياسر الشهيد , واحاديث النبي محمد (ص) في مقام عمار كثيرة , منها:
(
عمارمع الحق والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار، وقاتل عمار في النار.)(
الطبقات لابن سعد ج3 ص 187,باب عمار)
وجاء
رجل إلى ابن مسعود فقال: ( أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال: عليك بكتاب الله.
قال: أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية (عمار)مع
الحق. عليكم بابن سمية فإنه لن يفارق الحق حتى يموت. أو قال: فإنه يدور مع الحق
حيث دار) ( الاستيعاب لابن عبد البر ج 2 , ترجمة عمار بن ياسر)
تأمل
أن ابن مسعود يسمي عمارا بأبن سمية تشريفاً له وفخرا فسمية هي أول شهيدة في
الاسلام . هذا عمار كتلة الايمان والعلم والخير يقف في وجه عثمان الطاغية فيلاقي
منه ظلما وحيفا كبيراً وينعته عثمان بأقذع الكلام وأقبحه ويعيره ببشرته السمراء في
أكثر من موضع ويكيل له الضرب المبرح,
لايبالي بمكانته عند النبي (ص) ولابكبر سنه وقدم عهده في الدين.
دَوَنَ
العلامة الاميني :(أخرج البلاذري في أنساب الاشراف ج 5 ص 548 بالإسناد من طريق أبي مخنف قال: كان في بيت
المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلي به بعض أهله فأظهر الناس
الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه فخطب فقال: لنأخذن حاجتنا من
هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام: فقال له علي: إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه.
وقال عمار بن ياسر: أشهد الله إن أنفي أول راغم من ذلك. فقال عثمان: أعلي يا ابن
المتكاء تجترئ؟ خذوه، فأخذ ودخل عثمان
ودعا به فضربه حتى غشي عليه ثم أخرج فحمل حتى أتي به منزل أم سلمة زوج رسول
الله فلم يصل الظهر والعصر والمغرب فلما
أفاق توضأ وصلى وقال: الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله.
ويذكر
البلاذري رواية أخرى وهي وقوف عمار في وجه عثمان مرة ,فما فعل عثمان ياترى؟ لنقرأ
سطرا من الرواية:
(فقال:
كذبت يا ابن سمية! فقال: أنا والله ابن سمية وابن ياسر. فأمر غلمانه فمدوا بيديه
ورجليه ثم ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق، وكان ضعيفا
كبيرا فغشي عليه.) ( ذكر الرواية كذلك المعتزلي شارح النهج). وقال أبو عمر في
الاستيعاب ج 2 ص 422 وللحلف والولاء الذين بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر كان
اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى
انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعا من
أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات لقتلنا به أحدا غير عثمان) (
باختصار عن كتاب عثمان للعلامة الاميني ونقله عن الاستيعاب لابن عبد البر وانساب
الاشراف للبلاذري).
وروى
ابن شبة فقال (حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن المغيرة قال:
اجتمع ناس فكتبوا عيوب عثمان، وفيهم ابن مسعود
فاجتمعوا بباب عثمان ليدخلوا عليه فيكلموه، فلما بلغوا الباب
نكلوا إلا عمار بن ياسر فإنه دخل عليه فوعظه، فأمر به فضرب حتى فتق فكان لا يستمسك
بوله. فقيل لعمار: ما هذا ؟ قال: إني ملقى من قريش، لقيت منهم في الاسلام
كذا، وفعلوا بي كذا، ثم دخلت على هذا - يعني عثمان - فأمرته ونهيته، فصنع ما ترون، فلا
يستمسك بولي. قال: وكان حيث ضرب وقع عليه رجل
من قريش فقال: أما والله لئن مات هذا ليقتلن ضخم السرة من قريش. قال وهو جد هشام
ابن عبد الملك) ( تاريخ المدينة لابن شبة ج3 ص 1099) وحسب هذه الرواية يكون الذي
ضرب عمارا بأمر عثمان هو مروان بن الحكم
فهو جد هشام بن عبد الملك.
وهكذا
يقف عمار في وجه عثمان ناهب بيت المال وكان جزاءه الضرب والتعنيف ! أيجرأ عثمان بن
عفان على عمار والنبي محمد (ص) في الحياة ؟ إن الذي خالف النبي والنبي في عالم
الدنيا ,حتما سيخالفه ويظلم اصحابه والنبي في عالم الاخرة. تأمل بذاءة لسان عثمان الذي يسمي عمارا بأبن
المتكاء, والمتكاء هي المرأة المرتخية البظر التي لاتمسك بولاً وهو وصف شنيع
واسلوب مقذع فاسق لأول شهيدة في الاسلام وهي سمية أم عمار , إن ضرب عثمان لعمار
ليس ألا محاولة لقتله والتخلص منه كما تخلص من عبد الله بن مسعود بكسره لأضلاعه,
لكن عمارا مُدَّ في عمره ليقتل في حرب صفين بأيدي جنود معاوية الاموي , فقد أكمل
معاوية مابدأ به عثمان وماقبله من تصفيات لصحابة النبي (ص).
ومن
ركاكة القول ماقاله ابن تيمية الحراني
الذي لم يجد بدا من قبول خبر ضرب عمار فقال: (وفي الجملة فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود
أو عمارا فهذا لا يقدح في أحد منهم فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة
وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين ) ( منهاج السنة لابن تيمية ج6 ص 158) لقد جعل
ابن تيمية من نفسه بوابا على باب جنة الخلد يدخل فيها من يشاء ,فيشهد بأن الثلاثة
في الجنة ليمرر على الناس نظرية عدالة الصحابة .
أبوذر
الغفاري جندب بن جنادة وعثمان
يكاد
يتفق المؤرخون وكتاب السيرة على أن أباذر هو من الخمسة الاوائل الذين دخلوا
الاسلام , ففي طبقات ابن سعد ج4 ص161 يقول أبوذر ( كنت في الاسلام خامساً) وكذلك
ذكر ابن الاثير وغيره. قال فيه النبي (ص): (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على
ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر)
وقد ذكر العلامة الاميني هذا الحديث في كتابه عثمان وذكر مصادره وهي (طبقات ابن
سعد ج4 ص 167 ، صحيح الترمذي ج2 ص 221 ، سنن ابن ماجة ج1 ص68 ، ، مستدرك الحاكم ج3 ص 342 صححه وأقره الذهبي، مصابيح السنة ج 2
ص 228 ، صفة الصفوة ج1 ص 240 ، الاستيعاب لابن عبد البر ج1 ص 84).
وكذلك
قال فيه (ص) :(رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.)( السيرة لابن
هشام ج4 ص 179) .ولذلك عندما دفنه عبدالله بن مسعود في الصحراء بكى وتذكر هذا
الحديث وقال صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك( عثمان للعلامة
الاميني نقلا عن أسد الغابة لابن الاثير ج5 ص 188, الاصابة لابن حجر ج4 ص 164) . ويقول فيه النبي
كذلك ( الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وأبي ذر) (أخرجه البزار من طريق أنس بن
مالك ).
فما
هو ذنب هذا الصحابي في عهد عثمان كي يموت منفيا في الربذة؟ لنقرأ بعض النصوص
ذكر
العلامة الاميني: (روى البلاذري: لما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى
الحارث ابن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري
مائة ألف درهم ,جعل أبو ذر يقول: بشر الكانزين بعذاب أليم ويتلو قول الله عز وجل:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (سورة
التوبة) فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر فقال: أينهاني عثمان
عن قرائة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله؟ فوالله لإن أرضي الله بسخط عثمان أحب
إلي وخير لي من أن أسخط الله برضاه. فأغضب عثمان ذلك و أحفظه فتصابر وكف، وقال
عثمان يوما: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا
بأس بذلك. فقال أبو ذر: يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك
لي وأولعك بأصحابي؟ فسيره الى الشام حيث يحكم معاوية وكان أبو ذر ينكر على معاوية
أشياء يفعلها وبعث إليه معاوية بثلاث مائة دينار فقال: إن كانت من عطائي الذي
حرمتمونيه عامي هذا؟ قبلتها، وإن كانت صلة؟ فلا حاجة لي فيها. وبعث إليه حبيب بن
مسلمة الفهري بمائتي دينار فقال: أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث إلي بمال؟
وردها. وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال: يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله؟
فهي الخيانة، وإن كانت من مالك؟ فهذا الإسراف. فسكت معاوية، وكان أبو ذر يقول:
والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله
إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا
عليه.فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت
لكم به حاجة. فكتب معاوية إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد فاحمل
جندبا إلي على أغلظ مركب وأوعره فوجه معاوية من سار به الليل والنهار، فلما قدم
أبو ذر المدينة جعل يقول: تستعمل الصبيان، وتجمي الحمى، وتقرب أولاد الطلقاء. فبعث
إليه عثمان: إلحق بأي أرض شئت. فقال: بمكة. فقال: لا. قال: فبيت المقدس. قال:لا.
قال: فبأحد المصرين. قال: لا. ولكني مسيرك إلى الربذة. فسيره إليها فلم يزل بها
حتى مات.) ( بتصرف عن الغدير للأميني ,وعن أنساب الاشراف, ومروج الذهب)
وروى اليعقوبي: (وكتب معاوية إلى
عثمان: إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر، فكتب إليه: أن احمله على قتب بغير
وطاء، فقدم به إلى المدينة، وقد ذهب لحم فخذيه، فلما دخل إليه وعنده جماعة قال:
بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله يقول: إذا
كملت بنو أمية ثلاثين رجلاً اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله
دغلا. فقال: نعم! سمعت رسول الله(ص) يقول
ذلك. فقال لهم: أسمعتم رسول الله يقول
ذلك؟ فبعث إلى علي بن أبي طالب، فأتاه، فقال: يا أبا الحسن أسمعت رسول الله يقول
ما حكاه أبو ذر؟ وقص عليه الخبر. فقال علي: نعم! قال: وكيف تشهد ؟ قال: لقول رسول
الله: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر. فلم يقم بالمدينة
إلا أياماً حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجن عنها! قال:
أتخرجني من حرم
رسول الله؟ قال: نعم، وأنفك راغم. قال: فإلى مكة؟ قال: لا! قال: فإلى البصرة؟ قال:
لا! قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا! ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها. يا
مروان! أخرجه، ولا تدع أحداً يكلمه، حتى يخرج.)( تاريخ اليعقوبي ج1 ص 175)
تأمل جور عثمان على أبي ذر حيث يأمر معاوية بأن
يحمله على أغلظ مركب ثم يسير به الليل والنهار من الشام حتى يبلغ المدينة , فأين
رأفة الحاكم برعاياه وأي رعايا كأبي ذر الشيخ كبير السن خامس خمسة في الاسلام,
لكن الطغيان في الحكم يعمي القلوب ويميت فيها الرحمة.
وكان
اباذر يقول : ما زالا بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يترك الحق لي
صديقا. لقد كان من اسباب طرد أباذر ونفيه هو اليهودي المتأسلم كعب الاحبار فلم يرض
عثمان أن يهان كعب الاحبار في مجلسه فنفى أباذر عقاباً وأبقى كعب الاحبار يقص
الخرافات التوراتية على منبر رسول الله وفي مسجده , وستأتي سيرة كعب في فصل ( دور
اليهود) .
لنقرأ
هذه الروايات الثلاث ونتأمل فيها:
الرواية
الاولى :روى أحمد في مسنده فقال: ( قال سمعت مالك بن عبد الله الزيادي يحدث عن
أبي ذر انه جاء يستأذن على عثمان بن
عفان عنه فأذن له وبيده عصاة فقال عثمان
يا كعب ان عبد الرحمن توفى وترك مالا فما ترى فيه فقال ان كان يصل فيه حق الله فلا
بأس عليه, فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال سمعت رسول الله يقول ما أحب لو ان لي هذا الجبل ذهبا أنفقه
ويتقبل منى أذر خلفي منه ست أواق أنشدك الله يا عثمان أسمعته ثلاث مرات قال
نعم) ( مسند أحمد ج1 ص 63) قال أحمد في
اسناده أن الحديث ضعيف , ونقول هل يعقل أن يضرب أبوذر كعبا في حضرة الخليفة عثمان
وليس في الحضور من يعترض أو يقول شيئا؟ سيأتينا الجواب بعد أكمال قراءة الروايات
الثلاث.
الرواية الثانية
روى العسكري فقال : (ثم دخل أبو ذر وبين يدي عثمان مال، فقال: ما ترون في
رجل إذا زكى ماله؟ هل عليه غيره؟ قال كعب الأحبار: لا ليس عليه شيء. فقال أبو ذر:
متى كانت الفتيا إليك يا ابن اليهودية؟ بل عليه أن يصل رحمه، ويتقي الله ربه، فقال
عثمان: عن بلدنا، قال: إلى الشام؟ قال: لا. قال: فمكة؟ قال: لا. قال: فهو التغريب
بعد الهجرة، فخرج إلى الربذة ) ( الاوائل للعسكري ص83)
الرواية الثالثة :روى المسعودي: (أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري
من المال ، فَنُضِدَ البدر ، حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائل، فقال عثمان :
إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيراً ، لأنّه كان يتصدّق ، ويقري الضيف ، وترك ما ترون;
فقال كعب الأحبار : صدقت يا أمير المؤمنين ، فشال أبوذر العصا فضرب بها رأس كعب ،
وقال : يابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال إنّ اللّه أعطاه خير الدنيا
وخير الآخرة ، وتقطع على اللّه بذلك ، وأنا سمعت رسول اللّه يقول : ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً,
فقال له عثمان : وار عنّي وجهك) ( مروج الذهب للمسعودي ج3 ص 340)
بعد قراءة الروايات الثلاث ومقارنتها يتبين لماذا ضَعَّف أحمد بن حنبل الرواية الاولى
وقال أن أسنادها ضعيف, فهو لم يشأ أن
يُظهر للناس أن هناك خلافا بين الخليفة عثمان وبين أبي ذر حتى يحبك المتذرعون
والمحرفون حبكتهم فيقولون أن أباذر خرج الى الربذة باختياره, بينما الحقيقة أن
أباذر خرج منفياً بأمر من الخليفة عثمان كما بينت الروايتان الثانية والثالثة , مايهمنا هو أن أباذر خرج بعد هذه الحادثة الى
الربذة منفياً بأمر الخليفة عثمان, حتى وافاه الاجل رحمه الله.
ولما
جاء خبر وفاة أباذر قال عثمان : (رحمه الله! فقال عمار بن ياسر ساخرا بعثمان :نعم فرحمه الله من كل أنفسنا فقال
عثمان: يا عاض أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟)( أنساب الاشراف ج5 , العقد الفريد ج2 صفحة 272) . تأمل سلاطة لسان
عثمان , فهو لايتورع أن يستعمل الفاظ بذيئة في مخاطبته للصحابة كقوله (يا بن
المتكاء) أو (ياعاض عير أبيه) . ثم تأمل قول عثمان ( اتراني ندمت على تسييره ) وهو
نص يدل على أن عثمانا أخرج وسَيَّر أباذر الى الربذة وليس كما أبتدع بعض كتبة
التاريخ حيث قالوا أن أباذر خرج الى الربذة بأرادته وليس منفياَ, فالتسيير كان
بأمر عثمان.
روى
ابن حنبل :
(أن أبا
ذر الغفاري كان يخدم النبي (ص) فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد فكان هو بيته يضطجع
فيه فدخل رسول الله المسجد ليلة فوجد أبا ذر نائما منجدلا في المسجد فنكته رسول
الله برجله حتى استوى جالسا فقال له رسول
الله (ص) ألا أراك نائما قال أبو ذر يا رسول
الله فأين أنام هل لي من بيت غيره فجلس إليه رسول الله فقال له كيف أنت إذا أخرجوك منه قال
إذن ألحق بالشام فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر وأرض الأنبياء فأكون رجلا من
أهلها قال له كيف أنت إذا أخرجوك من الشام قال
إذن أرجع إليه فيكون هو بيتي ومنزلي قال له كيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية قال
إذن آخذ سيفي فأقاتل عني حتى أموت قال فكشر إليه رسول الله فأثبته بيده قال أدلك على خير من ذلك قال بلى
بأبي أنت وأمي يا نبي الله قال رسول الله (ص)
تنقاد لهم حيث قادوك وتنساق لهم حيث ساقوك حتى تلقاني وأنت على
ذلك) ( مسند أحمد ج56 ص117 طبعة النت)
هذا
الحديث من معجزات النبي الكريم (ص) فبه يخبر عن غيب سيحدث, وهو اخراج أباذر مرة
الى الشام ومرة الى منفاه الاخير وقد تحقق ذلك , تأمل أن النبي يقول لأبي ذر :
(كيف أنت إذا أخرجوك) , إذن أخراج أباذر كان بأمرهم وليس بتطوع من أبي ذر . لم
يستطع الذهبي أموي الهوى إنكار الرواية
فقال :( عن عبد الله بن سيدان قال: تناجى عثمان وأبو ذر حتى ارتفعت أصواتهما، ثم
انصرف أبو ذر مبتسماً وقال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي عدن. وأمره أن
يخرج إلى الربذة.)( تاريخ الاسلام للذهبي ج1 ص437). تأمل قوله : ( وأمره أن يخرج
الى الربذة) , فالخروج كان بأمر عثمان وهو نفي عن جماهير الناس. ثم تأمل تصرف
أباذر فهو يبتسم ويطيع لأنه عرف أن ذلك صائر فقد خصه النبي (ص) بذلك في حديث أحمد بن حنبل الذي مر بنا. وأكد
الدينوري نفي أباذر فكتب: (... وكان عثمان سيره الى الربذة فمات به سنة أثنتين
وثلاثين وليس له عقب) ( المعارف للدينوري ج1 ص57)
تم لعثمان التخلص من خامس رجل في الأرض أسلم
بدين الاسلام, فمات أبوذر في منفاه وحيدا
غريبا فقيرا, أن موت أباذر كان اغتيالاً بطيئا
ودمه في عنق من نفاه في وحشة البيداء .
المقداد
بن عمرو وعثمان
علم
من أعلام الصحابة, يقول فيه ابن حجر ( شهد المشاهد كلها مع رسول الله )( الاصابة
لابن حجر ج3 , ترجمة المقداد). وقال فيه النبي (ص) : (إن الله أمرني بحب أربعة ,
وأخبرني أنه يحبهم , علي والمقداد وأبوذر وعمار )( ترجمة المقداد في كل من: اسد
الغابة لابن الاثير, الاصابة لابن حجر ج3 ص 455 , الاستيعاب لابن عبد البر). كان
المقداد من شيعة علي وأنصاره ,وبعد رحيل النبي لم يبايع المقداد الخليفة الاول وظل
وفيا لعلي الى نهاية عمره. ولما صار عثمان بن عفان خليفة تعجب المقداد من أمر قريش
وصرفها الامرعن علي بن أبي طالب فقال:
(واعجبا لقريش ودفعهم هذا الأمرعن أهل بيت
نبيهم، وفيهم أول المؤمنين، وابن عم رسول الله، أعلم الناس وأفقههم في دين الله،
وأعظمهم عناءا في الاسلام، وأبصرهم بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم، والله لقد
زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقي، وما أرادوا إصلاحا للأمة، ولا صوابا في
المذهب، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين) ( عثمان
للعلامة الاميني ونقله عن تاريخ اليعقوبي ج2 ص 140).
ولما
رأى مؤامرة الانتخاب الصوري أتت بعثمان خليفة قال المقداد : (ما رأيت مثل ما أوتي
أهل هذا البيت بعد نبيهم، ولا أقضى منهم بالعدل، ولا أعرف بالحق، أما والله لو أجد
أعوانا! قال له عبد الرحمن بن عوف : يا مقداد! اتق الله فإني أخشى عليك الفتنة.) (
تاريخ الطبري ج5 ص 37, الكامل لابن الاثير ج3 ص 31).
تأمل
قوله : أما والله لو أجد أعواناً! فالمقداد يعلن بأنه لو وجد أعوانا لقاتل ولم يكن
ليرضى بعثمان خليفة , فهل ياترى يتركه عثمان على حاله وهو يعلم بموقفه هذا؟ إن
النفي والاغتيالات الاخرى التي وقعت في عهد عثمان والتي نالت خصوم الخليفة, يؤتنس
بها بأن موت المقداد بن عمرو لم يكن موتا طبيعياً كذلك. يروي ابن سعد كيفية موت المقداد بن عمرو في عهد عثمان : (
وفي ذات يوم تناول جرعةً من زيت فأضرت به
، فمات منها!) ( الطبقات لابن سعد ج 3 ص
163 ترجمة المقداد). جرعة من زيت قتلت
الرجل وليس في الزيت مايقتل إنما الذي
يقتل هو ما أضيف للزيت من سم! لمعاوية بن أبي سفيان مقولة مشهورة سيأتي ذكرها في
فصل (أمية), يقول فيها : إن لله جنوداً من عسل! فقد كان أعوان معاوية وجواسيسه
يدسون السم في العسل ويسقوه لاعدائهم فكفته تلك الطريقة حربهم, فقال أن العسل مثل
الجنود يقتل الرجال , وليس بعيدا أن الجنود في موت المقداد كانوا في جرعة الزيت
التي شربها وبذلك تخلص عثمان من خصم عنيد لايخاف في الحق لومة لائم . كان المقداد
رحمه الله قد أوصى لصاحبه المخلص عمار بن ياسر أن يصلي عليه وأن لايحضر الخليفة عثمان صلاته ودفنه. بعد دفنه وقف عثمان
على قبره قائلا : (رحمك الله ,أن كنتَ وأن كنتَ ليُثنى عليك خيراً), وبقوله عنى
عثمان أنه على الرغم من العداء والاختلاف
بيننا فأني أترحم عليك ,وهذا دليل خفي آخر على دور عثمان في موته, فعثمان فعل ذات
الشئ عندما أتاه خبر موت أبي ذر في المنفى فترحم عليه بعد أن نفاه وطرده وعزله وقد
تقدم ذكره. قال الزبير بن العوام معرضا
بعثمان عندما سمعه يترحم على المقداد
(لألفينك
بعد الموت تندبني *** وفي حياتي ما زودتني زادي) ( تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 171,
طبقات ابن سعد ج3 ص 163, كتاب الاركان
الاربعة ص 181 لجواد مغنية)
ويعني
الزبير بذلك أنك يا عثمان تندب المقداد حزنا بعد موته أما في حياته فقد كنت له
عدواً ,ولن يغير ندبه لك عند موته فقد كان لك عدوا وكنت له كذلك. وقال عثمان بعد أن علم أن عماراً قام بدفن
المقداد والصلاة عليه ( ويلي على ابن السوداء, أما لقد كنت به عليماً).( تاريخ
اليعقوبي ج2 ص 171). عثمان يكني عمارا
بإبن السوداء , فالمفاهيم لم تزل جاهلية! إن شربة الزيت التي شربها المقداد كانت
سبب وفاته فياله من زيت عجيب يزهق أرواح العباد .
حذيفة
بن اليمان وعثمان
حذيفة
بن اليمان صاحب سر النبي (ص), الذي يقول فيه الامام علي : (ذلك رجل عنده علم
البلايا والمنايا.). ويروي الذهبي فيه (
كان النبيّ قد أسرّ إلى حذيفة أسماء
المنافقين ، وضبط عنه الفتن الكائنة في الأُمّة)( سير اعلام النبلاء للذهبي ج2
ص361) .كان حذيفة صاحب النبي يوم العقبة وفي ذلك اليوم يتعرض النبي لمحاولة اغتيال
قام بها عصبة من المسلمين, فيسمي النبي (ص) لحذيفة أسماء عصبة الاغتيال تلك ,ويكتم
حذيفة ذلك السر عن جموع الناس ,وقال حذيفة اكثر من مرة أنه لو تفوه لاحد بما يعلم لمات قتلا في ساعته
. وتبين مصادر التاريخ أن عثمان بن عفان وأباموسى الاشعري كانا من أعضاء عصبة
اغتيال النبي في العقبة !- وسيأتي ذكر ذلك في فصل ( رحيل النبي )-. قام عثمان بن
عفان بأخراج حذيفة بن اليمان من المدينة الى المدائن في العراق, وكان على المدائن
ابو موسى الاشعري والياً من قبل عثمان , وبذلك ضمن عثمان الحصار على حذيفة فوالي
المدائن أبوموسى من عصبة العقبة كذلك فضَيق على حذيفة الحصار. ووضع عثمان جواسيس
على حذيفة لمراقبته وتسجيل أقواله, روى البخاري وأحمد : (عن همام بن الحارث
قال : كُنا عند حذيفة فقيل له: إن فُلانا يرفع إلى عثمان الاحاديث فقال حذيفة :
لايدخل الجنة قَتات.) ( كتاب الادب المفرد ج1 ص 168للبخاري المتوفى 256 هجرية, مسند احمد
بن حنبل). والقتات هو النمام الذي يأتي بالاخبار بين الناس. إن حذيفة
لايجد جوابا سوى التقية, فهو يعني بقوله أن من ينقل عني حديثي الى الخليفة عثمان
أنما هو قتات (نمام) والقتات لايدخل الجنة , وهو ذمُ بصورة غير مباشرة لجواسيس
عثمان
ويدل تجسس عثمان على حذيفة , قول عثمان : (والله مايدعني
مايبلغني عنك بظهر الغيب! ثم ولى حذيفة فلما أجاز قال ردوه قال له عثمان أيضا مثل
قوله الاول فقال له حذيفة : والله لتخرجن كما يخرج الثور ولتسخطن كما يسخط الجمل)(
مصنف عبد الرزاق الصنعاني ج11 ص 450). تأمل قول عثمان : (والله مايدعني مايبلغني
عنك بظهر الغيب!) أي أنه تأتينا أخبار عنك ,ويعني هذا تجسس عثمان على حذيفة
ومراقبته خوفاً من أفشاء سر عصبة العقبة الذين منهم عثمان بن عفان . واجه
حذيفة غضب الخليفة بشجاعة فقال له : والله
لتخرجن كما يخرج الثور ولتسخطن كما يسخط الجمل. وفي رواية ابن شبة :
(عن زر بن حبيش قال: قلت لحذيفة : ما هذه الاحاديث ؟ قد جاء فلان ابن فلان. فقال: عد ما تقول. فاستند إلى الحائط ثم قال: إنك لتحدثني حديث رجل إن أحد طرفيه لفي النار، والله ليخرجن إخراج الثور ثم ليشحطن شحط الجمل.)( تاريخ المدينة لابن شبة ج3 , باب خبر عثمان). إن حذيفة وصاحبه لايفصحان بأسم عثمان تقية وخشية ولذلك كناهاه بكلمة (فلان).
(عن زر بن حبيش قال: قلت لحذيفة : ما هذه الاحاديث ؟ قد جاء فلان ابن فلان. فقال: عد ما تقول. فاستند إلى الحائط ثم قال: إنك لتحدثني حديث رجل إن أحد طرفيه لفي النار، والله ليخرجن إخراج الثور ثم ليشحطن شحط الجمل.)( تاريخ المدينة لابن شبة ج3 , باب خبر عثمان). إن حذيفة وصاحبه لايفصحان بأسم عثمان تقية وخشية ولذلك كناهاه بكلمة (فلان).
من الملفت أن حذيفة
الذي كان يعيش في المدائن بعيداً عن عثمان بمئات الاميال يموت بعد أن يأتيه نبأ مقتل
عثمان في المدينة ,وليس بعيداً أن موت حذيفة كان تدبيرا بأيدي جواسيس عثمان وبأيدي
واليه على المدائن أبوموسى الاشعري, فلما نفذ القوم أمر اغتيال حذيفة أتاهم نبأ
مقتل عثمان فسمعه حذيفة في ساعاته الاخيرة قبل فراقه دنيانا الفانية, فيالعبرة
الاقدار .روى ابن عبد البر (ومات حذيفة سنة ست وثلاثين بعد
قتل عثمان في أول خلافة علي وقيل توفي سنة خمس وثلاثين والأول أصح وكان موته بعد
أن أتى نعي عثمان إلى الكوفة .) ( الاستيعاب لابن عبد البر , ترجمة حذيفة).
وقال
حذيفة لما أتاه نبأ مقتل عثمان
(عن
جزى بن بكير العبسي قال: لما قتل عثمان، أتينا حذيفة فدخلنا صفة له. قال:
والله ما أدري ما بال عثمان، والله ما أدري ما حال
من قتل عثمان إن هو إلا كافر قتل الآخر، أو مؤمن خاض إليه الفتنة حتى
قتله فهو أكمل الناس إيماناً).( المعرفة والتاريخ لأبي يوسف الفسوي ج1 ص363)
حاول المبيضون لصفحة عثمان أنكار بعض الروايات التي قالها حذيفة في عثمان لأظهار أن الصحابة في وئام ومحبة , ولكن سياق الاحداث ومواقف الرجال تبين الحقيقة ,فلايهم طعن المبيضون لصفحة عثمان في بعض المساند فهناك روايات بالعشرات لمؤرخين كثر ومن أراد الحقيقة فليأخذها كما وردت, وليست كما يتمناها أن تكون.
حاول المبيضون لصفحة عثمان أنكار بعض الروايات التي قالها حذيفة في عثمان لأظهار أن الصحابة في وئام ومحبة , ولكن سياق الاحداث ومواقف الرجال تبين الحقيقة ,فلايهم طعن المبيضون لصفحة عثمان في بعض المساند فهناك روايات بالعشرات لمؤرخين كثر ومن أراد الحقيقة فليأخذها كما وردت, وليست كما يتمناها أن تكون.
أبي
بن كعب الخزرجي وعثمان
أُبي
بن كعب علم آخر من اعلام الصحابة , وفاته وتاريخها تثيران الشكوك. وملخص القصة أن
والي عثمان على الكوفة كان الفاسق الوليد بن عقبة بن ابي معيط ذلك الذي عانى أهل
الكوفة من ظلمه واستهتاره , فيذهب وفد من
رجال الكوفة الى العاصمة ( المدينة ) يشكون الوليد . وأتى رجل من ذلك الوفد وأسمه جندب بن زهير الى الصحابي أبي بن كعب
الخزرجي فحدثه بما يحصل في الكوفة . فقام أبي بن كعب الخزرجي وعاهد جندب أن يقوم
في الجمعة التالية ليفضح مايجري في عهد عثمان وما يجري من ظلم في الكوفة تحت ولاية
الفاسق الوليد. لكن وعد أبي بن كعب لم يتحقق فقد مات قبل يوم الجمعة بيوم واحد !
وتقول
الرواية على لسان جندب بن زهير مايلي
(فقال
أُبيّ بن كعب: أما والله لئن عشتُ إلى هذه الجمعة لأقولنّ قولا لا أبالي
استحييتموني أو قتلتموني.
قال:
فلمّا كان يوم الجمعة من بين الأيّام، خرجت من منزلي، فإذا أهل المدينة يؤذّنون في
سككها (شوارعها)، فقلت لبعضهم: ما شأن الناس؟
قالوا:
وما أنت من أهل البلد؟
قلت:
لا.
قال:
فإنّ سيد المسلمين مات اليوم.
قلت:
من هو؟
قال:
أُبيّ بن كعب.
فقلت
في نفسي: واللهِ ما رأيت كاليوم في الستر أشدّ ممّا سُتِر هذا الرجل) ( النص عن
نظريات عثمان ج2 للعلامة الطائي, تهذيب الكمال للمزي ج1 ص 470)
إن
احتمال أغتيال أبي بن كعب احتمال وارد في هذه الرواية ,فما أن أعلن الرجل أنه
سيفضح نظام عثمان وتهاونه في حدود الله وشرعه حتى علم الناس بذلك, وعلم جواسيس
الخليفة أنه سيقوم مقاما يوم الجمعة, فدبروا أمر القضاء عليه قبل ذلك وكان ذلك يوم
الخميس . إن الخليفة عثمان كان قد قطع
العطاء عن أبي بن كعب كما فعل مع الصحابي عبد الله بن مسعود وغيره. ( بتصرف عن كتاب نظريات عثمان للعلامة
المحقق الطائي, وعن كتاب السيرة الحلبية ج2 ص 87).
أختلف
المؤرخون في تاريخ موت أبي بن كعب وربما ذلك عن قصد حتى يضيعوا على الناس سبب
موتته, لكن ابن حجر يصحح ذلك ويبين أنه مات في عهد عثمان ويرد على من يقول أنه مات
في عهد عمر فيذكر ( أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين وهو أثبت الاقاويل) ثم يكمل
( بأن رز بن حبيش لقيه في خلافة عثمان وروى البخاري في تاريخه أن مات قبل قتل
عثمان ) ( الاصابة لابن حجر العسقلاني , باب أبي بن كعب) . وهذا يبين أنه مات في
زمن خلافة عثمان .
لمزيد من قراءة
http://marwan1433.blogspot.ca/2013/07/6_26.html
No comments:
Post a Comment