اغتيال
أم أنقلاب؟
مات عمر في غبشة الفجر أثر طعنات عديدة في خاصرته بخنجر مسموم
,وقاتله هو أبولؤلؤة الفارسي من عبيد المغيرة بن شعبة , ترى ما هي الاسباب
والدوافع؟
ظلت قضية اغتيال عمر ملفوفة بالغموض , واختلف المؤرخون في تحليلهم
لاغتياله. إن المستفيد من موت عمر هو أكثر من طرف واحد, الاول هو الامويون فقد عجل
موت عمر بتولي بني أمية المباشر للسلطة حيث صار عثمان الأموي الخليفة من بعد عمر
,وكان عمر قد نوه بالخلافة لعثمان في أكثر من موضع كما تقدم, فليس بعيداً أن
أغتياله كان تعجيلاً من بني أمية لاغتصاب السلطة لأن المرشح عثمان بن عفان كان في
السبعين من عمره آنذاك وبقاء عمر في السلطة لسنين اطول يعني اقتراب أجل الشيخ
عثمان بن عفان وموته قبل نيله الخلافة, فكان اغتيال عمر هو التعجيل بحصول
عثمان على الخلافة. المستفيد الاخر هو كعب
الاحبار الذي نجح بدهاءه في أيام عمر بتهجير اليهود الى فلسطين وبيت المقدس
واستفاد من تولي بني أمية زمام الامور وكان موت عمر لكعب هو تعجيل لدولة بني أمية التي ستغير مفاهيم الاسلام, وهي
غاية غايات اليهود وكعب الاحبار منهم ,ستأتي سيرة كعب في فصل (دور اليهود). هناك
رأي آخر يعزي اغتيال عمر الى الفتوحات الاسلامية في بلاد فارس فاغتياله كان
انتقاماً لما حصل في بلاد فارس من فتوحات ودليلهم هو أن قاتله أبولؤلؤة كان
فارسياً, وهو رأي يتشبث به القوميون العرب بتغاضيهم عن بقية الحوافز لقتله مما
يجعل تحليلهم لهذا الامر ضيقاً وضعيفاً , فقد فتح المسلمون في عهد عمر بلاد الشام
الرومية ومصر في شمال أفريقيا فلماذا لم يقوم الرومان بأغتيال عمر؟ وهناك من يقول
أن أغتياله كان أنتقاماً لما فعل بفاطمة عليها السلام ابنة النبي محمد (ص) يوم حمل
النار وحرق باب دارها وأدى ذلك الهجوم الى وفاتها بعد ذلك بأيام قصيرة كما تقدم في
فصل السقيفة وماجرى بعدها.
المتفق عليه هو استفاد اطراف
عديدة من أغتيال عمر حتى وان لم يكن لها دخل في اغتياله. فقد تكون جميع الاسباب
التي تقدمت ساهمت ضمنيا بالتعجيل في اغتياله . إن الرابح الأول بموت الخليفة هم بنو أمية ومن المرجح أن تكون مؤامرة قتل عمر
مسندة من بني أمية الذين منهم معاوية بن
أبي سفيان المعروف بخطط الاغتيالات الصامتة . أبو لؤلؤة قاتل عمر كان أجيراً عند المغيرة بن
شعبة, والمغيرة من أقرب الناس الى معاوية بن أبي سفيان, مشهور بغدره وحيله , فقد
أسلم المغيرة بعد غدره بثلاثة عشر رجلاً كانوا معه في سفر فنهب أموالهم وهرب الى
النبي (ص) في المدينة ليدخل الدين الجديد, فكان اسلامه عن مصلحة لحمايته مما جنا
من غدر رفاقه في السفر ,وبعد اسلامه لم يتورع عن ارتكاب المحارم ,فقد أشتهر
بزناه وكان الخليفة عمر من عطل عقوبته
وأنقذه من موت رجماً بالحجارة ,وحينها كان المغيرة واليا على الكوفة في العراق (
ترجمة المغيرة بن شعبة كما في طبقات ابن
سعد واستيعاب بن عبد البر وإصابة العسقلاني). للمغيرة دور في تحريض أجيره (أبو
لؤلؤة) الفارسي في قتل عمر وكما يلي ,روى المسعودي: (وكان عمر لا يترك أحداً من
العجم يدخلِ المدينة فكتب إليه المغيرة بن شعبة: إن عندي غلاماً نقاشاً نجاراَ حداداَ
فيه منافع لأهل المدينة، فإن رأيت أن تأذن لي في الإِرسال به فعلت، فأذن له، وقد
كان المغيرة جعل عليه كل يوم درهمين، وكان يدعى أبا لؤلؤة، وكان مجوسياً من أهل
نهاوند، فلبث ما شاء الله، ثم أتى عمر يشكو إليه ثقل خراجه، فقال له عمر: وما تحسن
من الأعمال. قال: نقاش نجار حداد، فقال له عمر: ما خَرَاجُكَ بكثير في كنه ما تحسن
من الأعمال، فمضى عنه وهو يتذمر، قال: ثم مر بعمر يوماً آخر وهو قاعد، فقال له
عمر: ألم احَدَّث عنك أنك تقول: لو شئت أن أصنع رَحا تطحن بالريح لفعلت، فقال أبو
لؤلؤة: لأصْنَعَنَّ لك رَحَا يتحدث الناس بها، ومضى أبو لؤلؤة، فقال عمر: أما
العلج فقد توعَّدَنِي انفاً، فلما أزمَعَ بالذي أوعد به أخذ خِنْجراً فاشتمل عليه
ثم قعد لعمر في زاوية من زوايا المسجد في الغَلَس، وكان عمر يخرج في السحر فيوقظ
الناس للصلاة، فمر به، فثار إليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته وهي التي
قتلته، وطعن اثني عشر رجلاً من أهل المسجد فمات منهم ستة وبقي ستة)( مروج الذهب
ج2 باب عمر, تاريخ المدينة لابن شبة , باب عمر). ترى لو كان
أبولؤلؤة مجوسيا كما زعموا فكيف عاش في
المدينة وبالذات في عهد عمر الذي أخرج اليهود وغير المسلمين من الجزيرة؟
المغيرة هو الذي أتى بأبي
لؤلؤة الى المدينة , ثم بخسه حقه في الاجر حتى يغيظه على عمر كما في الرواية وهذا يرجح
دور المغيرة صاحب معاوية في عملية الاغتيال. كان أبولؤلؤة من أسرى بلاد فارس ويقال
أنه كان حاكما على ولاية في بلاد فارس فصار عبداً يعمل بأجر في دولة العرب! لقد
زاد المغيرة من غضب أبا لؤلؤة حتى يثيره في قتل عمر. إن بنو أمية كانوا الكاسب
الاول بمقتل عمر , فبموته تولى الخلافة عثمان الاموي وبذلك كسب معاوية حاكم الشام حليفا من عشيرته.
أما كعب الاحبار فهو يهودي من أهل اليمن أسلم في عهد عمر , وهو من أنصار معاوية وعثمان حتى أنه هاجر بعد مقتل عثمان الى بلاد
الشام وعاش في كنف معاوية. الرواية الاتية ترجح ضلوع كعب في مقتل عمر و توقعه لساعة موتته ,
وكأنه عالم بمؤامرة تحاك لقتل الخليفة ,وقد يكون كعب من حابكيها:
(
أن كعب الاحبار جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام, وقال له: اعهد فإنك
ميت في ثلاثةأيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عز وجل في التوراة.(
تأمل قول كعب بأن التوراة كتاب الله عزوجل ويقول ذلك أمام عمر الذي لاينهيه عن ذلك
).قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟! قال: اللهم لا, ولكن أجد صفتك
وحليتك وأنه قد فنى أجلك. فلما كان من الغد, جاءه كعب, فقال: يا أمير المؤمنين!
ذهب يوم وبقي يومان! ثم جاءه من غد الغد, فقال: ذهب يومان وبقي يوم وليلة؛ وهي لك
إلى صبيحتها! فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة؛ وكان يوكل بالصفوف رجالا؛ فلما
استوت جاء فكبر. ودخل أبو لؤلؤة في الناس, في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه,
فضرب عمر ست ضربات, إحداهن تحت سرته, وهي التي قتلته. وقال عمر قبيل وفاته: توعدني
كعب ثلاثا أعدها ولا شك أن القول ما قال لي كعب . فلما طُعن دخل عليه كعبٌ فقال:
ألم أنهك? قال: بلى، ولكن كان أمر الله قدراً مقدوراً.)( تاريخ المدينة ص 314 لابن
شبة , ومثلها في تاريخ الطبري ) , ويروى أن فاطمة بنت النبي (ص) كانت قد دعت على
عمر وأبي بكر عندما منع الخليفة الاول أبوبكر ميراثها من النبي (ص) في ارض فدك ,ثم
يندم أبوبكر على فعله ويكتب لها صحيفة يقر لها فيها بإنها صاحبة فدك, فلما خرجت
بالصحيفة مد عمر يده فأخذها وتفل عليها فمحا الكتابة ثم مزق الصيحفة فقالت فاطمة :
بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي! (محنة فاطمة
ص106 للشيخ الناصر, شرح ابن أبي الحديد ج16 ص 234, أعلام النساء ج4 ص124
لعمر كحالة), ولذا قيل أن دعاء الزهراء فاطمة أبنة النبي (ص) تحقق في ذلك اليوم
الذي بقر فيه أبو لؤلؤة بطن عمر بخنجره!
يروي
ابن شبة أن الطبيب دخل على عمر بعد طعنه
وسأله أي الشراب أحب اليه فقال عمر : النبيذ ! :( دعي لعمر الطبيب فسقاه نبيذاً
فخرج من جُروحه مختلطاً بدم ,فدعي بلبن فسقاه فخرج أبيض، فقال له الطبيب: أعهد يا
أمير المؤمنين.)( تاريخ المدينة لابن شبة , باب عمر ص320).
ندمه
روى
صاحب كنز العمال عن الضحاك قول عمر : ( يا ليتني كنتُ كبش أهلي و سمنوني ما بدا
لهم , حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون , فجعلوا بعضي شواءً وبعضي
قديداً , ثم أكلوني ، فأخرجوني عذرة , ولم أكن بشراً)( الغدير للعلامة الاميني , باب نوادر الاثر , و عن كنز العمال ج 6 ص 345 , تاريخ الخلفاء للسيوطي ,باب عمر , حلية الاولياء ج1 ص 52) . العذرة هي براز
الحيوان, فالخليفة هنا يتمنى نفسه كذلك خوفا مما سيأتي بعد الموت من حساب.
وفي
رواية أخرى يقول عمر قبيل وفاته: (وَيْلٌ لي، ويلي لأُمي إن لم يغفر لي، لو أن لي
ما على الأرض لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه.)( تاريخ المدينة لابن شبة, باب
عمر). أن الندم الذي يوصل بالمرء أن يتمنى نفسه عذرة لهو ندم عظيم على ذنوب عظيمة , فكأن عمر في
ساعاته الاخيرة تيقن بخروجه عن رحمة الاية : ( يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي الى
ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وادخلي جنتي)( الفجر26), فلو كان مطمئنا لما نادى
بالويل لنفسه . بعد هلاك عمر يُدلي رئيس مجلس الشورى ورواي حديث الطاعون عبد
الرحمن بن عوف بالخلافة لعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية.
لمزيد من قراءة راجع
http://marwan1433.blogspot.ca/2013/07/5.html
No comments:
Post a Comment